فخر الدين الرازي
146
تفسير الرازي
الدلائل لما جاز منه سبحانه ذكر المجاز لأنه يكون ذلك موهماً للكذب ، واختلفوا في هذا الإهلاك فقال ابن عباس : المراد منه القتل بالسيوف والمراد بالقرية حضور وهي وسحول قريتان باليمن ينسب إليهما الثياب . وفي الحديث : " كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين سحوليين " وروى : " حضوريين بعث الله إليهم نبياً فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم " وروى : " أنه لما أخذتهم السيوف نادى مناد من السماء يا لثارات الأنبياء " فندموا واعترفوا بالخطأ ، وقال الحسن : المراد عذاب الاستئصال ، واعلم أن هذا أقرب لأن إضافة ذلك إلى الله تعالى أقرب من إضافته إلى القاتل ، ثم بتقدير أن يحمل ذلك على عذاب القتل فما الدليل على قول ابن عباس ولعل ابن عباس ذكر حضور بأنها إحدى القرى التي أرادها الله تعالى بهذه الآية ، وأما قوله تعالى : * ( فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون ) * فالمعنى لما علموا شدة عذابنا وبطشنا علم حس ومشاهدة ركضوا في ديارهم ، والركض ضرب الدابة بالرجل ، ومنه قوله تعالى : * ( اركض برجلك ) * فيجوز أن يكونوا ركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين من قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب ، ويجوز أن يشبهوا في سرعة عدوهم على أرجلهم بالراكبين الراكضين ، أما قوله : * ( لا تركضوا ) * قال صاحب " الكشاف " : القول محذوف ، فإن قلت من القائل قلنا يحتمل أن يكون بعض الملائكة ومن ثم من المؤمنين ، أو يكونوا خلقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يقل ، أو يقوله رب العزة ويسمعه ملائكته لينفعهم في دينهم أو يلهمهم ذلك فيحدثون به نفوسهم ، أما قوله : * ( وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم ) * أي من العيش والرفاهية والحال الناعمة ، والإتراف إبطار النعمة وهي الترفه ، أما قوله تعالى : * ( لعلكم تسألون ) * فهو تهكم بهم وتوبيخ ، ثم فيه وجوه : أحدها : أي ارجعوا إلى نعمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غداً عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة . وثانيها : ارجعوا كما كنتم في مجالسكم حتى تسألكم عبيدكم ومن ينفذ فيه أمركم ونهيكم ويقول لكم بم تأمرون وماذا ترسمون كعادة المخدومين . وثالثها : تسألكم الناس في أنديتكم لتعاونوهم في نوازل الخطوب ويستشيرونكم في المهمات ويستعينون بآرائكم . ورابعها : يسألكم الوافدون عليكم والطامعون فيكم إما لأنهم كانوا أسخياء ينفقون أموالهم رئاء الناس وطلب الثناء أو كانوا بخلاء فقيل لهم ذلك تهكماً إلى تهكم وتوبيخاً إلى توبيخ ، أما قوله تعالى : * ( فما زالت تلك دعواهم فقال صاحب " الكشاف " تلك إشارة إلى * ( يا ويلنا ) * لأنها عدوى كأنه قيل فما زالت تلك الدعوى دعواهم ، والدعوى بمعنى الدعوة قال تعالى : * ( وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) * ( يونس : 10 ) فإن قلت : لم سميت دعوى ؟ قلت : لأنهم كانوا دعوا بالويل : * ( فقالوا يا ويلنا ) * أي يا ويل أحضر فهذا وقتك ، وتلك مرفوع أو منصوب إسماً أو خبراً وكذلك : * ( دعواهم ) * قال المفسرون : لم يزالوا يكررون هذه الكلمة فلم ينفعهم ذلك كقوله تعالى : * ( فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ) * ( غافر : 85 ) أما قوله : * ( حتى جعلناهم حصيداً خامدين ) *